حدود العلاقات… ذلك الخط الخط رفيع الذي يحفظ إتزان القلب

يوو : أمنيات عزيز



في كل علاقة نعقدها، وفي كل يد نمدّها نحو الآخرين، في مساحة صغيرة لا يراها أحد… مساحة تشبه الخيط الرفيع بين الراحة والتعب، بين الصحّة والإنهاك، بين أن نكون لأنفسنا… أو أن نضيع من أجل الآخرين.
هذه المساحة هي الحدود.

الحدود ليست جفوة، ولا مسافة باردة، ولا إعلان حرب صامتة…
هي ببساطة:
فنّ معرفة أين ينتهي حقّ الآخرين، وأين يبدأ حقّك أنت.

أحياناً، نفتح أبوابنا بلا تردّد…
نسمح للناس بالدخول إلى العمق الذي لا نريهم إيّاه عادة.
نسمح لهم بأن يعبثوا بوقتنا، بمشاعرنا، بسكوننا الداخلي… لأننا نخاف أن نخسرهم، أو نخشى أن نبدو قساة.

لكن الحقيقة أنّ العلاقات بلا حدود تتحوّل ببطء إلى إستنزاف…
تُرهقك حتى وأنت تبتسم، وتُثقلك حتى وأنت تحاول أن تبدو خفيفاً.
لأنك، في العمق، تعرف أنّك منحت أكثر مما تستحق العلاقة، وعطلت أكثر مما يليق بك.

الحدود ليست رفضاً للآخرين…
هي قبول صادق لنفسك.
هي اعتراف بأنّ روحك تستحق مساحة آمنة، وأنّ قلبك ليس غرفة مفتوحة لكل طارق، وأنّك لست مضطراً لشرح تعبك ألف مرة كي يُفهم.

وأحياناً، يكون أصعب حد هو الحد الذي نرسمه أمام أنفسنا:
حدّ يمنعنا من مجاملة ما يزعجنا،
حدّ يلزمنا أن نقول “لا” حين نشعر أن الـ”نعم” ستكسر شيئاً في داخلنا،
حدّ يسمح لنا أن نبتعد باحترام، لا بدافع الغضب… بل بدافع النجاة.

الحدود ليست نقصاً في الحب، بل نضج فيه.
فنحن لا نبتعد عن الناس لأننا نكرههم…
نبتعد لأننا نحب أنفسنا بما يكفي لنمنعها من الذوبان.

وعندما نتعلّم وضع حدود واضحة، ندرك فجأة أنّ العلاقات تصبح أنقى،
الصداقة تصبح أصدق،
الحب يصبح أعمق،
والقرب يصبح أخفّ…
لأنّ كل طرف يعرف المساحة التي يحترمها، والقدر الذي يعطيه، والخطوط التي لا يتجاوزها.

حدود العلاقات ليست جداراً…
إنّها بابٌ بمفتاح.
تفتحه لمن يستحق، وتغلقه حين تشعر أن سلامك مهدّد.
وبين الفتح والإغلاق تنمو أنت… أكثر قوة، أكثر وضوحاً، وأكثر قرباً من ذاتك التي طالماً أهملتها.